فصل: (431) وسئل: هل يجوز للإنسان أن يقسم على الله؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


‏(‏419‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن هذه الألفاظ‏:‏ ‏"‏أرجوك‏"‏، و‏"‏تحياتي‏"‏، و‏"‏أنعم صباحًا‏"‏، و‏"‏أنعم مساءً‏"‏‏؟‏‏.‏

فأجاب قائلًا‏:‏ لا بأس أن تقول لفلان ‏:‏ ‏"‏أرجوك‏"‏ في شيء يستطيع أن يحقق رجاءك به‏.‏

وكذلك ‏"‏تحياتي لك‏"‏‏.‏ و‏"‏لك مني التحية‏"‏‏.‏ وما أشبه ذلك لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 86‏]‏ ‏.‏ وكذلك‏:‏ ‏"‏أنعم صباحًا‏"‏ و‏"‏أنعم مساءً‏"‏ لا بأس به، ولكن بشرط ألا تتخذ بديلًا عن السلام الشرعي‏.‏

‏(‏420‏)‏ وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ عمن يسأل بوجه الله فيقول‏:‏ أسألك بوجه الله كذا وكذا فما الحكم في هذا القول‏؟‏

فأجاب قائلًا‏:‏ وجه الله أعظم من أن يسأل به الإنسان شيئًا من الدنيا ويجعل سؤاله بوجه الله - عز وجل - كالوسيلة التي يتوسل بها إلى حصول مقصوده من هذا الرجل الذي توسل إليه بذلك، فلا يُقْدِمَنَّ أحد على مثل هذا السؤال، أي لا يقل‏:‏ وجه الله عليك أو أسألك بوجه الله أو ما أشبه ذلك‏.‏

‏(‏421‏)‏ وسئل الشيخ حفظه الله‏:‏ ما رأيكم فيمن يقول‏:‏ ‏"‏آمنت بالله، وتوكلت على الله، واعتصمت بالله، واستجرت برسول الله، صلى الله عليه وسلم‏"‏‏؟‏‏.‏

فأجاب بقوله‏:‏ أما قول القائل‏:‏ ‏"‏آمنت بالله، وتوكلت على الله واعتصمت بالله‏"‏ فهذا ليس فيه بأس وهذه حال كل مؤمن أن يكون متوكلًا على الله، مؤمنًا به، معتصمًا به‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏(‏واستجرت برسول الله، صلى الله عليه وسلم‏)‏ فإنها كلمة منكرة والاستجارة بالنبي، صلى الله عليه وسلم، بعد موته لا تجوز، أما الاستجارة به في حياته في أمر يقدر عليه فهي جائزة قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 6‏]‏ ‏.‏ فالاستجارة بالرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد موته شرك أكبر وعلى من سمع أحدًا يقول مثل هذا الكلام أن ينصحه، لأنه قد يكون سمعه من بعض الناس وهو لا يدري ما معناها وأنت ‏"‏يا أخي‏"‏ إذا أخبرته وبينت له أن هذا شرك فلعل الله أن ينفعه على يدك‏.‏ والله الموفق‏.‏

‏(‏422‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ ما حكم قول‏:‏ ‏"‏أطال الله بقاءك‏"‏ ‏"‏طال عمرك‏"‏‏؟‏‏.‏

فأجاب قائلًا‏:‏ لا ينبغي أن يطلق القول بطول البقاء، لأن طول البقاء قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا، فإن شر الناس من طال عمره وساء عمله، وعلى هذا فلو قال ‏:‏ أطال الله بقاءك على طاعته ونحوه فلا بأس بذلك‏.‏

‏(‏423‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول أحد الخطباء في كلامه حول غزوة بدر‏:‏ ‏"‏التقى إله وشيطان‏"‏‏.‏ فقد قال بعض العلماء ‏:‏ إن هذه العبارة كفر صريح، لأن ظاهر العبارة إثبات الحركة لله - عز وجل - نرجو من فضيلتكم توضيح ذلك‏؟‏‏.‏

فأجاب بقوله‏:‏ لا شك أن هذه العبارة لا تنبغي، وإن كان قائلها قد أراد التجوز فإن التجوز إنما يسوغ إذا لم يوهم معنى فاسدًا لا يليق به‏.‏ والمعنى الذي لا يليق هنا أن يجعل الشيطان قبيلًا لله تعالى، وندًا له، وقرنًا يواجهه، كما يواجه المرء قرنه، وهذا حرام، ولا يجوز‏.‏

ولو أراد الناطق به تنقص الله تعالى وتنزيله إلى هذا الحد لكان كافرًا، ولكنه حيث لم يرد ذلك نقول له‏:‏ هذا التعبير حرام، ثم إن تعبيره به ظانًا أنه جائز بالتأويل الذي قصده فإنه لا يأثم بذلك لجهله، ولكن عليه ألا يعود لمثل ذلك‏.‏

وأما قوله بعض العلماء الذي نقلت‏:‏ ‏"‏إن هذه العبارة كفر صريح‏"‏ فليس بجيد على إطلاقه، وقد علمت التفصيل فيه‏.‏

وأما تعليل القائل لحكمه بكفر هذا الخطيب أن ظاهر عبارته إثبات الحركة لله - عز وجل - فهذا التعليل يقتضي امتناع الحركة لله، وأن إثباتها كفر، وفيه نظر ظاهر، فقد أثبت الله تعالىلنفسه في كتابه أنه يفعل، وأنه يجيء يوم القيامة، وأنه استوى على العرش، أي علا عليه علوًا يليق بجلاله، وأثبت نبيه، صلى الله عليه وسلم، أنه ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول ‏:‏من يدعوني فأستجيب له‏؟‏ من يسألني فأعطيه‏؟‏ من يستغفرني فأغفر له‏؟‏ واتفق أهل السنة على القول بمقتضى ما دل عليه الكتاب والسنة من ذلك غير خائضين فيه، ولا محرفين للكلم عن مواضعه، ولا معطلين له عن دلائله‏.‏ وهذه النصوص في إثبات الفعل، والمجيء، والاستواء، والنزول إلى السماء الدنيا إن كانت تستلزم الحركة لله فالحركة له حق ثابت بمقتضى هذه النصوص ولازمها، وإن كنا لا نعقل كيفية هذه الحركة، ولهذا أجاب الإمام مالك من سأله عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 5‏]‏ ‏.‏ كيف استوى‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة‏"‏‏.‏ وإن كانت هذه النصوص لا تستلزم الحركة لله تعالىلم يكن لنا إثبات الحركة له بهذه النصوص، وليس لنا أيضًا أن ننفيها عنه بمقتضى استبعاد عقولنا لها، أو توهمنا أنها تستلزم إثبات النقص، وذلك أن صفات الله تعالى توقيفية، يتوقف إثباتها ونفيها على ما جاء به الكتاب والسنة، لامتناع القياس في حقه تعالى، فإنه لا مثل له ولا ند، وليس في الكتاب والسنة إثبات لفظ الحركة أو نفيه، فالقول بإثبات لفظه أو نفيه قول على الله بلا علم‏.‏ وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 36‏]‏ ‏.‏ فإذا كان مقتضى النصوص السكوت عن إثبات الحركة لله تعالى أو نفيها عنه، فكيف نكفر من تكلم بكلام يثبت ظاهره ـ حسب زعم هذا العالم ـ التحرك لله تعالى‏؟‏‏!‏ وتكفير المسلم ليس بالأمر الهين، فإنّ من دعا رجلًا بالكفر فقد باء بها أحدهما، فإن كان المدعو كافرًا باء بها، وإلا باء بها الداعي‏.‏

وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كثير من رسائله في الصفات على مسألة الحركة، وبين أقوال الناس فيها، وما هو الحق من ذلك، وأن من الناس من جزم بإثباتها، ومنهم من توقف، ومنهم من جزم بنفيها‏.‏

والصواب في ذلك‏:‏ أن ما دل عليه الكتاب والسنة من أفعال الله تعالى، ولوازمها فهو حق ثابت يجب الإيمان به، وليس فيه نقص ولا مشابهة للخلق، فعليك بهذا الأصل فإنه يفيدك، وأعرض عما كان عليه أهل الكلام من الأقيسة الفاسدة التي يحاولون صرف نصوص الكتاب والسنة إليها ليحرفوا بها الكلم عن مواضعه، سواء عن نية صالحة أو سيئة‏.‏

‏(‏424‏)‏ وسئل فضيلته‏:‏ يستعمل بعض الناس عند أداء التحية عبارات عديدة منها‏:‏ ‏"‏مساك الله بالخير‏"‏‏.‏ و‏"‏الله بالخير‏"‏‏.‏ و‏"‏صبحك الله بالخير‏"‏‏.‏ بدلًا من لفظة التحية الواردة، وهل يجوز البدء بالسلام بلفظ‏:‏ ‏"‏عليك السلام‏"‏‏؟‏

فأجاب قائلًا‏:‏ السلام الوارد هو أن يقول الإنسان‏:‏ ‏"‏السلام عليك‏"‏، أو ‏"‏سلام عليك‏"‏، ثم يقول بعد ذلك ماشاء من أنواع التحيات، وأما ‏"‏مساك الله بالخير‏"‏‏.‏ و‏"‏صبحك الله بالخير‏"‏، أو ‏"‏الله بالخير‏"‏‏.‏ وما أشبه ذلك فهذه تقال بعد السلام المشروع‏.‏ وأما تبديل هذا بالسلام المشروع فهو خطأ‏.‏

وأما البداءة بالسلام بلفظ‏:‏ ‏"‏عليك السلام‏"‏ فهو خلاف المشروع لأن هذا اللفظ للرد لا للبداءة‏.‏

‏(‏425‏)‏ وسئل‏:‏ عن هذه الكلمة ‏"‏الله غير مادي‏"‏‏؟‏‏.‏

فأجاب‏:‏ القول بأن الله غير مادي قول منكر، لأن الخوض في مثل هذا بدعة منكرة، فالله تعالىليس كمثله شيء، وهو الأول الخالق لكل شيء وهذا شبيه بسؤال المشركين للنبي، عليه الصلاة والسلام، هل الله من ذهب أو من فضة أو من كذا وكذا‏؟‏ وكل هذا حرام لا يجوز السؤال عنه وجوابه في كتاب الله‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1‏:‏ 4‏]‏ ‏.‏ فكف عن هذا، مالك ولهذا السؤال‏.‏

‏(‏426‏)‏ سئل فضيلته‏:‏ عن قول بعض الناس إذا انتقم الله من الظالم ‏:‏‏"‏الله ما يضرب بعصا‏"‏‏؟‏‏.‏

فأجاب بقوله‏:‏ لا يجوز أن يقول الإنسان مثل هذا التعبير بالنسبة لله ـ عز وجل ـ ولكن له أن يقول‏:‏ إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ حكم لا يظلم أحدًا، وإنه ينتقم من الظالم، وما أشبه هذه الكلمات التي جاءت بها النصوص الشرعية، أما الكلمة التي أشار إليها السائل فلا أرى أنها جائزة‏.‏

‏(‏427‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ كثيرًا ما نرى على الجدران كتابة لفظ الجلالة ‏"‏الله‏"‏، وبجانبها لفظة محمد، صلى الله عليه وسلم، أو نجد ذلك على الرقاع، أو على الكتب، أو على بعض المصاحف، فهل موضعها هذا صحيح‏؟‏‏.‏

فأجاب قائلًا‏:‏ موضعها ليس بصحيح لأن هذا يجعل النبي، صلى الله عليه وسلم، ندًا لله مساويًا له، ولو أن أحدًا رأى هذه الكتابة وهو لا يدري من المسمى بهما لأيقن يقينًا أنهما متساويان متماثلان، فيجب إزالة اسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويبقى النظر في كتابة‏:‏ ‏"‏الله‏"‏ وحدها، فإنها كلمة يقولها الصوفية، ويجعلونها بدلًا عن الذكر، يقولون‏:‏ ‏"‏الله الله الله‏"‏، وعلى هذا فتلغى أيضًا، فلا يكتب ‏"‏الله‏"‏، ولا ‏"‏محمد‏"‏ على الجدران، ولا في الرقاع ولا في غيره‏.‏

‏(‏428‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ كيف نجمع بين قول الصحابة ‏:‏ ‏"‏الله ورسوله أعلم‏"‏ بالعطف بالواو وإقرارهم على ذلك وإنكاره، صلى الله عليه وسلم، على من قال‏:‏ ‏"‏ما شاء الله وشئت‏"‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ قوله‏:‏ ‏"‏الله ورسوله أعلم‏"‏ جائز‏.‏ وذلك لأن علم الرسول من علم الله، فالله تعالىهو الذي يعلمه ما لا يدركه البشر ولهذا أتى بالواو‏.‏

وكذلك في المسائل الشرعية يقال‏:‏ ‏"‏الله ورسوله أعلم‏"‏، لأنه، صلى الله عليه وسلم، أعلم الخلق بشريعة الله، وعلمه بها من علم الله الذي علمه كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 113‏]‏ ‏.‏ وليس هذا كقوله‏:‏ ‏"‏ما شاء الله وشئت‏"‏ لأن هذا في باب القدرة والمشيئة، ولا يمكن أن يجعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، مشاركًا لله فيها‏.‏

ففي الأمور الشرعية يقال ‏:‏ ‏"‏الله ورسوله أعلم‏"‏ وفي الأمور الكونية لا يقال ذلك‏.‏

ومن هنا نعرف خطأ وجهل من يكتب الآن على بعض الأعمال ‏{‏وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 105‏]‏ ‏.‏ لأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يرى العمل بعد موته‏.‏

‏(‏429‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن هذه العبارة ‏"‏أعطني الله لا يهينك‏"‏‏؟‏‏.‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ هذه العبارة صحيحة، والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد يهين العبد ويذله، وقد قال الله تعالى في عذاب الكفار‏:‏ إنهم يجزون عذاب الهون بما كانوا يستكبرون في الأرض، فأذاقهم الله الهوان والذل بكبريائهم واستكبارهم في الأرض بغير الحق‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 18‏]‏ والإنسان إذا أمرك فقد تشعر بأن هذا إذلال وهوان لك فيقول‏:‏ ‏"‏الله لا يهينك‏"‏‏.‏

‏(‏430‏)‏ وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن هذه العبارة ‏"‏الله يسأل عن حالك‏"‏‏؟‏‏.‏

فأجاب بقوله‏:‏ هذه العبارة‏:‏ ‏(‏الله يسأل عن حالك‏)‏ لا تجوز لأنها توهم أن الله تعالى يجهل الأمر فيحتاج إلى أن يسأل، وهذا من المعلوم أنه أمر منكر عظيم، والقائل لا يريد هذا في الواقع لا يريد أن الله يخفى عليه شيء، ويحتاج إلى سؤال، لكن هذه العبارة قد تفيد هذا المعنى، أو توهم هذا المعنى، فالواجب العدول عنها، واستبدالها بأن تقول‏:‏ ‏"‏أسأل الله أن يحتفي بك‏"‏، و‏"‏أن يلطف بك‏"‏، وما أشبهها‏.‏

‏(‏431‏)‏ وسئل‏:‏ هل يجوز للإنسان أن يقسم على الله‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ الإقسام على الله أن يقول الإنسان ‏:‏ والله لا يكون كذا وكذا، أو والله لا يفعل الله كذا وكذا والإقسام على الله نوعان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يكون الحامل عليه قوة ثقة المقسم بالله ـ عزوجل ـ وقوة إيمانه به مع اعترافه بضعفه وعدم إلزامه الله بشيء فهذا جائز ودليله قوله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره‏)‏ ودليل آخر واقعي وهو حديث أنس بن النضر حينما كسرت أخته الربيع سنًا لجارية من الأنصار، فطالب أهلها بالقصاص فطلبوا إليهم العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالقصاص فقال أنس بن النضر‏:‏ أتكسر ثنية الربيع‏؟‏ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يا أنس كتاب الله القصاص‏)‏ فرضي القوم فعفوا فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره‏)‏ وهو - رضي الله عنه - لم يقسم اعتراضًا على الحكم وإباءً لتنفيذه فجعل الله الرحمة في قلوب أولياء المرأة التي كسرت سنها فعفوا عفوًا مطلقًا عند ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره‏)‏، فهذا النوع من الإقسام لا بأس به‏.‏

النوع الثاني‏:‏ من الإقسام على الله‏:‏ ما كان الحامل عليه الغرور والإعجاب بالنفس وأنه يستحق على الله كذا وكذا، فهذا والعياذ بالله محرم، وقد يكون محبطًا للعمل، ودليل ذلك أن رجلًا كان عابدًا وكان يمر بشخص عاصٍ لله، وكلما مر به نهاه فلم ينته، فقال ذات يوم‏:‏ والله لا يغفر الله لفلان ـ نسأل الله العافيةـ فهذا تحجر رحمة الله، لأنه مغرور بنفسه فقال الله ـ عزوجل ـ‏:‏ ‏(‏من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان قد غفرت له وأحبطت عملك‏)‏ قال أبوهريرة‏:‏ ‏"‏تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته‏"‏‏.‏ ومن هذا نأخذ أن من أضر ما يكون على الإنسان اللسان كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم، لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ‏:‏ ‏(‏ألا أخبرك بملاك ذلك كله‏)‏، قلت‏:‏ بلى يا رسول الله، فأخذ النبي، صلى الله عليه وسلم، بلسانه فقال‏:‏ كف عليك هذا، فقال‏:‏ يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به‏؟‏، فقال‏:‏ ‏(‏ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال - على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم‏)‏‏.‏ والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط‏.‏

‏(‏432‏)‏ وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن التسمي بالإمام‏؟‏

فأجاب قائلًا‏:‏ التسمي بالإمام أهون بكثير من التسمي بشيخ الإسلام لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، سمى إمام المسجد إمامًا ولو لم يكن معه إلا واحد، لكن ينبغي أن لا يتسامح في إطلاق كلمة ‏"‏إمام‏"‏ إلا على من كان قدوة وله أتباع كالإمام أحمد وغيره ممن له أثر في الإسلام، ووصف الإنسان بما لا يستحقه هضم للأمة، لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام وهذا إمام ممن لم يبلغ منزلة الإمامة هان الإمام الحق في عينه‏.‏

‏(‏433‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن إطلاق بعض الأزواج على زوجاتهم وصف أم المؤمنين‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ هذا حرام، ولا يحل لأحد أن يسمي زوجته أم المؤمنين، لأن مقتضاه أن يكون هو نبيًّا، لأن الذي يوصف بأمهات المؤمنين هن زوجات النبي، عليه الصلاة والسلام، وهل هو يريد أن يتبوأ مكان النبوة وأن يدعو نفسه بعد بالنبي‏؟‏ بل الواجب على الإنسان أن يتجنب مثل هذه الكلمات، وأن يستغفر الله تعالى مما جرى منه‏.‏

‏(‏434‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ ما حكم قول‏:‏ ‏"‏يا عبدي‏"‏ و ‏"‏يا أمتي‏"‏‏؟‏

فأجاب‏:‏ قول القائل‏:‏ ‏"‏يا عبدي‏"‏، ‏"‏يا أمتي‏"‏، ونحوه له صورتان‏:‏

الصورة الأولى‏:‏ أن يقع بصيغة النداء مثل‏:‏ يا عبدي، يا أمتي، فهذا لا يجوز للنهي عنه في قوله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يقل أحدكم عبدي وأمتي‏)‏‏.‏

الصورة الثانية‏:‏ أن يكون بصيغة الخبر وهذا على قسمين‏:‏

القسم الأول‏:‏ إن قاله بغيبة العبد، أو الأمة فلا بأس فيه‏.‏

القسم الثاني‏:‏ إن قاله في حضرة العبد أو الأمة، فإن ترتب عليه مفسدة تتعلق بالعبد أو السيد منع وإلا فلا، لأن القائل بذلك لا يقصد العبودية التي هي الذل، وإنما يقصد أنه مملوك له وإلى هذا التفصيل الذي ذكرناه أشار في ‏(‏تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد‏)‏ في باب لا يقول‏:‏ عبدي وأمتي‏.‏ وذكره صاحب فتح الباري عن مالك‏.‏

‏(‏435‏)‏ وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول الإنسان‏:‏ ‏"‏أنا حر‏"‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ إذا قال ذلك رجل حر وأراد أنه حر من رق الخلق، فنعم هو حر من رق الخلق، وأما إن أراد أنه حر من رق العبودية لله - عز وجل - فقد أساء في فهم العبودية، ولم يعرف معنى الحرية، لأن العبودية لغير الله هي الرق أما عبودية المرء لربه - عز وجل - فهي الحرية، فإنه إن لم يذل لله ذل لغير الله، فيكون هنا خادعًا نفسه إذا قال‏:‏ إنه حر يعني إنه متجرد من طاعة الله، ولن يقوم بها‏.‏